ابن عجيبة
455
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
السائرين بعكس ما يستحقونه في جانب المخالفة ؛ فقد تهوى بهم أنفسهم إلى مقام الخفض فيرتفعون ، وإلى مقام البعد فيقتربون ، وهذا في قوم سبقت لهم العناية ، فلم تضرهم الجناية ، وحفت بهم الرعاية ، فلم تستهوهم الغواية ، إذا صدرت منهم المخالفة ندموا وانكسروا . والغالب فيمن كان تحت جناح الأولياء الكبار أن يسلك به هذا المسلك العظيم وما ذلك على اللّه بعزيز . وإذا كان الحق تعالى يعجل الخير ويمهل الشر ، كان الواجب على العبد شكره على الدوام ، لا الإعراض عنه ونسيانه ، كما نبه عليه تعالى بقوله : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 12 ] وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 12 ) قلت : ( لجنبه ) : متعلق بحال محذوفة ، أي : مضطجعا لجنبه ، و ( كأن ) مخففة يقول الحق جل جلاله : وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ في بدنه أو ماله أو أحبابه ، دَعانا لإزالته مخلصا فيه ، وتضرع إلينا حال كونه مضطجعا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً ، وفائدة الترديد تقسيم الدعاء لجميع الأحوال أو لأصناف المضار ، فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ أي : مضى على طريقه واستمر على كفره ، ولم يشكر اللّه على دفعه ، أو مرّ عن موقف الدعاء ، ولم يرجع إليه . كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا أي : كأنه لم يدعنا إِلى كشف ضُرٍّ مَسَّهُ قط نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ « 1 » كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ أي : مثل هذا التزيين زين للمسرفين ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الانهماك في الشهوات ، والإعراض عن شكر المنعم عند المسرات وذهاب العاهات . وفي الآية تهديد لمن تشبه بهذه الحالة ، بل الواجب على العبد دوام التجائه إلى ربه ، والشكر له عند ظهور إجابته وإسدال عافيته . الإشارة : من حسن الأدب ؛ السكون تحت مجارى الأقدار ، والتسليم لأحكام الواحد القهار ، « فليس الشأن أن ترزق الطلب ، إنما الشأن أن تزرق حسن الأدب » ، وحسن الأدب : هو الفهم عن اللّه ؛ فإذا شرح صدرك للدعاء ، فادع ولا تكثر ، فإن المدعو قريب ، ليس بغافل فينبه ، ولا ببعيد فتنادى عليه ، فإذا دعوته وأجابك فاشكره ، وإن أخّر عنك
--> ( 1 ) الآية 8 من سورة الزمر .